شباب يحدثون ثورة في الموسيقى الجزائرية

 

فرق كاميليون، بابيليون، الداي، اثران، جمعاوي أفريكا وأخرى 

 

تعرف الساحة الفنية الجزائرية بروز عدة فرق موسيقية لاقت رواجا بين أوساط الشباب، فأزاحت عن طريقها أنواعا أخرى كانت تحتكر الذوق الموسيقي الشبابي على غرار "أغنية الراي" التي بقيت إلى وقت قريب جدا متربعة على عرش الموسيقى الشبابية. اليوم، بظهور هذه الفرق الموسيقية التي تغني الطابع العصري باختلاف أنواعه من الروك إلى البوب ميوزيك إلى القناوة "الموسيقى الإفريقية"، وفرق اختارت الفلامنكو الإسباني كعنوان لها.

فبرزت في نوع القناوة فرقة "جمعاوي أفريكا" التي عرفت نجاحا منقطع النظير، أما فرق "كاميليون"، "بابيلون"، "الداي"، "لاباس"، "فريكلان"، "اثران" وفرقة "جزمة" وأخرى، فتجتمع في كثير من الخصائص والقواسم المشتركة، من حيث اختيارها للنوع العصري والمواضيع الموجهة أساسا لشريحة الشباب، حيث تتناول مشاكلهم اليومية وهموم واقعهم

غنت هذه الفرق لظاهرة "الحرقة"، الغربة، الحب، الخيانة، الفقر والبطالة... ولم تتوقف اهتمامات هذه الفرق عند هذا المستوى، حيث طالت المواضيع الحساسة المرتبطة بالسياسة وبالتاريخ وبالهوية الثقافية للمجتمع الجزائري. ففي كل مرة يستنطق هؤلاء مقومات الهوية الوطنية من خلال كلمات أغانيهم لتشكل الروح الوطنية أحد أهم الركائز التي يجب الدفاع عنها عن طريق الموسيقى

قاسم مشترك آخر يجمع بين هذه الفرق، اختيارهم لعناوين فرقهم، إذ مزجت بين المعطيات التاريخية والهوية، فمثلا نجد فرقة الداي التي تشير إلى التواجد العثماني في الجزائر، فرقة جمعاوي أفريكا، نجد فيها البعد الافريقي، فرقة بابيلون اختارت التسمية القديمة للحضارة البابلية

الحرية هي الهدف الأساسي لهذه الفرق، حيث تتفق معظمها على الدفاع عن الحرية ومكتسباتها عن طريق الموسيقى، لهذا نجد الطابع الثوري عند مؤسسي هذه الفرق على كثير من الأصعدة، في الموسيقى المختارة، في اللباس الذي يميز أعضاء هذه الفرق أو في المواضيع المتناولة

 

البدايات الأولى للموسيقى العصرية

 

لا يعتبر بروز هذه الفرق بالجديد، لكن تمتد إلى وقت آخر مطلع السبعينيات مع ظهور فرقة الروك الأولى "أبرانيس" التي أدخلت هذا النوع وعرفت رواجا كبيرا أوساط الشباب المتحدث بالأمازيغية أو غيره، خاصة عند الشباب الجامعي. فالميزة المهمة عند هذه الفرق سواء القديمة أو الجديدة، التوجه إلى فئة معينة من الشباب المتعلم الواعي بالمشاكل المحيطة به والحديث إلى عقولهم أكثر من قلوبهم

أما بالنسبة لموسيقى القناوة، التي تستمد نوتاتها من الموسيقى الإفريقية القديمة، لتدخل الجزائر عن طريق البوابة الغربية، من نواحي بشار وتندوف بفرق محلية وشيوخ حافظوا على هذا النوع الموسيقي، فبرزت فرقة "الفردة" التي أعادت روح الشيخ بوزيان، وفرقة حسنة البشارية وأخرى... لتحمل المشعل فرقة "قناوة ديفزيون" بقيادة الفنان أمازيغ كاتب، نجل الروائي كاتب ياسين

أما بخصوص الفرق التي اتجهت نحو الطابع اللاتينو-إسباني، فهي ليست بالجديدة على هذا المستوى، فحملت فرقة "تريانا الجزائر" مشعل الفلامنكو الجزائري لترسّخ هذا النوع عند الجيل الحالي من الشباب

 

كاميليون.. روك بنكهة جزائرية 

 

هي فرقة موسيقية شابة احترفت الغناء والعزف على أوتار فن "الروك". يشهد كل يوم يطلع فيه فجر النهار تألق أعضاء هذه الفرقة بأدائها وحضورها على الساحة الفنية العصرية بفضل أغانيها الهادفة المتجدّدة مما جعلها تتصدّر الفرق الموسيقى الأخرى في فترة زمنية قصيرة عرفت بتنوع طبوعها وألوانها الفنية في عالم الموسيقى العصرية مما دفعها لتسمية نفسها بـ "كاميليون" أو "الحرباء".

ورغم أنها اختارت موسيقى الروك العصرية، إلا أن من مميزاتها، بقاؤها وفية للتراث الجزائري. تتكفل الفرقة بكتابة وتلحين كل أغانيها بالاعتماد على آلات موسيقية عصرية تارة، وتقليدية تارة أخرى، فغنت للشباب الجزائري وترجمت همومه ومشاكله وشاركت في عدد من الحفلات التضامنية باعتبارها أهم المبادرات الإنسانية الهادفة، حيث استخدمت موسيقاها لتوعية الشباب وتحسيسهم ونشر مظاهر السلم والأمان، ولم تكتف فرقة "كاميليون" بهذا فحسب بل كانت السباقة في طرح القضايا الاجتماعية والإنسانية التي تهم المواطن الجزائري بالدرجة الأولى.

تأسست الفرقة عام 2009 تحت إشراف الشقيق التوأم حسن وحسين أقران، هذا الأخير كان السباق في تأليف بعض العناوين الناجحة مثل أغنية "الله" التي اشتهرت بها الفرقة وأحدثت ثورة على النت، ليطالب الشباب بضرورة خروج هذه الأعمال إلى العلن، لتكلل التجربة بنجاح أول ألبوم غنائي في مارس 2011 تحت عنوان "كاميليون"، ويعدّ هذا الأخير الألبوم الوحيد في رصيد الفرقة التي حققت نجاحا كبيرا في بداية مشوارها، بدليل أنها باعت أكثر من 50 ألف نسخة، بدون أن ننسى عدد النسخ الأخرى التي لم نستطع تسجيلها بسبب ظاهرة "القرصنة". 

ومن أشهر الأغاني التي عرفت بها فرقة "كاميليون" في ألبومها الوحيد الذي ضمه 8 عناوين نذكر أغنية "الله" و"رشاني" و"البئر الصغير" و"دوك العديان" و"ماتقوليليش" و"إيمان" و"ندمت". 

 

بابيلون.. "الزينة ما درتي فينا" أولى بوادر النجاح

 

هي الأخرى خطت طريقها في الموسيقى العصرية بخطى واثقة، حيث لا تكاد تلتقي بشاب أو شابة من دون أن يكون قد استمع إلى أغنية "الزينة" التي ألهبت مشاعر وعواطف الشباب. اتخذت هذه الفرقة اسما تاريخيا للانطلاق في هذه المسيرة، "بابليون"، هو الاسم القديم لبلاد الرافدين، أو "بابل" باللغة السومرية القديمة. تتمركز هذه الفرقة حول المغني الرئيسي "أمين"، إضافة إلى 06 أفراد آخرين، أمين (المغني الرئيسي)، 3 عازفين على القيثار، عازف باص وآخر للإيقاع، ويجري التفكير في تدعيم الفرقة. أطلق على الأسلوب الذي يؤديه أعضاء هذه الفرقة بـ "دزيري ستايل" الذي يصب في نوع "الورلد ميوزيك". الفرقة اليوم صدر لها الألبوم الثاني الذي يحوي تشكيلة متنوعة من المواضيع والموسيقى، حيث أثرت عناوينها ودعمتها بموسيقى من التراث الجزائري بإدخال الآلات الإيقاعية والنفخية مثل الناي في أغنية "هايم" التي جاءت بطابع "العروبي" المعروف في الجهة الغربية من البلاد

 

"جمعاوي أفريكا" بخطى واثقة نحو العالمية 

 

تختلف تجربة فرقة "جمعاوي أفريكا" عن معظم هذه الفرق التي اتخذت "شبكة النت" وسيلة أولى للترويج عن نفسها. ولكن جمعاوي أفريكا لا تختلف فقط في الوسائل التي اعتمدتها للوصول إلى النجاح، لتتخطى المحلية إلى العالمية بفضل تنشيطها لحفلات موسيقية خارج الجزائر، في القارة الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية. يعود سبب نجاح هذه الفرقة أساسا إلى النوع الموسيقي الذي تقدمه، حيث يعرف رواجا سريعا في العالم، فيمزج بين موسيقى القناوة المعروف في الشمال الإفريقي، إضافة إلى نوع الجاز الأمريكو- اللاتيني ورائده المغني الشهير بوب مارلي. ولكن الفرقة بقيت وفية للموسيقى التراثية الجزائرية، بإدراج نوتات من الشعبي العاصمي في الموسيقى التي يقدمونها. وفي بعض العناوين والأغاني المؤداة من طرف هذه الفرقة نجد الاعتماد على طابع السخرية، وهو طابع محبوب عند الجزائريين ومعروف في الأوساط الفنية خاصة الملتزمة لتمرير كثير من الرسائل السياسية والاجتماعية، غالبا المسكوت عنها

يعد ريبرتوار هذه الفرقة، رغم صغر سنها، غنيا وحققت ما عجز عن تحقيقه أكبر الفنانين في الجزائر. كما أدت "جمعاوي أفريكا" أغاني ثنائية مع فنانين ذوي شهرة عالمية من أمثال سيدي بيمول في أغنية "ليل طويل" في ألبوم "ماما أفريكا".

 

فرقة "الداي".. الهوية، خط أحمر 

 

وتشكل فرقة "الداي" الاستثناء بفضل المواضيع التي تتطرق إليها، حيث تختار عناوينها بعناية فائقة، ولا شك أن المستوى الجامعي لأغلب أعضاء الفرقة كان له تأثيره البالغ على عملية اختيار وانتقاء المواضيع والعناوين. وتعتبر الهوية ومحاولة إعادة إرساء روح الوطنية عند شباب اليوم الذين افتقدوها، نقطة ارتكاز الفرقة. وأحسن دليل على نجاح الفرقة أغنية "أنا جزائري" التي ذاع صيتها حتى خارج الوطن بفضل الكلمات الحماسية التي استخدمها شباب الفرقة وأيضا استعمال اللغة الإسبانية لضرورة فرضها إيقاع الفلامنكو. ويرافق هذا النجاح، صدور أغنية "ماريا" التي تحكي قصصا واقعية من وحي الحياة اليومية للشباب البطال الطموح للسفر خارج الوطن والاغتراب، ليتعرّف على فتاة إسبانية اسمها "ماريا" ويبدأ بالتخطيط للزواج بها والظفر بالجنة فوق الأرض، ليكتشف الشاب في الأخير أنه في خطأ ويتوجه نحو ابنة الجيران "مريومة".

 

"اثران" تنير السماء من الأوراس إلى الأهقار 

 

الروح العصرية الجديدة التي تعرفها الموسيقى، تتضح جليا عند فرقة "اثران" بمعنى النجوم. تستمد هذه الفرقة إبداعها من التراث الموسيقي الضارب في الثقافة الجزائرية في العديد من المناطق من التارقي إلى الشاوي إلى القبائلي. تأثرت هذه الفرقة بموجة سنوات الثمانينيات. تجمع هذه الفرقة بين البلوز، الروك والجاز

وتحيط بهذه الفرقة ظلال الكثير من الفنانين الذين شكلوا الاستثناء في سنوات مضت، لا سيما الفنان التارقي الراحل عثمان بالي، وسمي الألبوم الأخير بـ "نيو تيندي".

ويبقى الاهتمام بهذه المواهب الصاعدة أحد أكبر الرهانات، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار النقص الفادح للإمكانيات المادية لهذه الفرق التي تصارع مشاكل جمة لتقديم أعمالها للشباب الوفي لها. كما أنه لم يبق أمامها إلا الاعتماد على إمكانياتها الخاصة للترويج عن أعمالها. وتجد في الشبكات الاجتماعية التي تتيحيها خدمة الأنترنت أحسن عامل في صالحهم

ط. أكيلال

 

Last modified on الأحد, 13 تشرين1/أكتوير 2013 19:39
Rate this item
(5 votes)
Read 2797 times

ضجيج أقلام

Previous Next
  • 1
  • 2
  • 3
ميزان القوة الفاسد
ميزان القوة اليوم، بمعطيات اللغة السياسية الواقعية، في غير صالح المقاومة، ومع ذلك فهي تلح على أنها لن تتنازل قيد أنملة عن مطالبها. هل يمكن اعتبار ذلك قلة واقعية؟ طبعا لا. لأن ميزان القوة كان يفترض أن الجيش الإسرائيلي المتفوق على الجيوش العربية التقليدية، كما تقول جل التقديرات العسكرية، وهو أحد أكثر الجيوش تطورا في العالم ويملك سندا عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا قويا ودائما، وهو الولايات المتحدة والكثير من بلدان الغرب، كان يمكن أن يسحق حركات المقاومة الفلسطينية التي لا تملك الأموال التي تملكها إسرائيل ولا تملك مصدر السلاح الذي تملكه إسرائيل ولا تملك مراكز التدريب اللازمة وتعمل وهي خاضعة Read more
شكرا للفيسبوك
عندما كتب (ألفين طوفلير) آخر كتب ثلاثيته وهو "عوامل السلطة الجديدة"، لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي قد أخذت مكانة إعلامية اجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية هامة آنذاك. فقد كان الانترنت في بداياته الأولى ولم يكن الكمبيوتر قد صار في متناول قاعدة واسعة جدا من الناس في كل بقع الدنيا. اليوم، أخذت مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في البلدان التي لم تصل مستوى من التنظيم السياسي ومن الحرية، مكانة هامة صارت تملك الكثير من السلطة ومن التأثير في الكثير من الأحداث. لقد كانت هذه المواقع أدوات التواصل في الانتفاضات العربية وكانت أدوات مثلى في نشر الآراء والأفكار وفي التجنيد والتنظيم الاجتماعي. في Read more
عالم بلا ضمير
ثبت مرة أخرى أن عالم اليوم عالم بلا ضمير، عالم تحكمه المصالح وتحكمه القوة يغيب فيه القانون بشكل صارخ، عالم يتجه عنوة إلى شريعة الغاب، القوي يدمر الضعيف، ويجعل الضعيف مسؤولا عن تدميره لأنه ضعيف. نعم عندما نتابع ما تقوم به إسرائيل من مجازر متعمدة في غزة، وفي كامل فلسطين منذ ما يفوق 70 سنة، ويسكت المجتمع الدولي بل وتعلن الأمم على لسام أمينها العام أن على المقاومة أن تتخلى عن سلاحها، على الرغم من أن ذلك متعارض كلية مع ميثاق الأمم المتحدة، فذلك يعني أن هذا العالم في حاجة لـ "التدمير" لأنه عالم قائم على الظلم بل ويحث Read more

المتواجدون في الموقع

201 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

من نحن

يومية الحرية المقر : 33 شارع العربي بن مهيدي الجزائر